محمد بن زكريا الرازي

18

المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )

اليبس أيضا قبولا لا يمكن معرفته فقد بطل وجه مداواته إذ لا سبيل إلى معرفة المقدار الذي حاد عنه . ونحن نقول : « إن حذاق الفلاسفة لم يجهلوا هذه المطالبة ومن قولهم أن التغير قسمان قسم لا يدركه الحس ولم يبلغ إلى حد يؤذي البدن ولا يعوقه عن أفعاله الطبيعييّة اعتياقا يظهر للحس البتة . ولسنا نسمّي هذا القسم مرضا لحاله كما أن لا نقول فيمن تغير لون جلده من شمس أو سخن بدنه من وهج سخونه يسيره أنه مريض البتة . ولكن متى عرض له ما يبين البتة للحس أو يعتاق أفعاله الخارجة على الحال الطبيعيّة عما كانت عليه اعتياقا يبين للحس عن غير واسطه . فهذا هو المرض وهو الذي يقصد إلى مداواته كي يردّه إلى حاله الطبيعيّة التي تليق بأفعاله . ولو أن امرءا شاهد من دار له انهداما ظاهرا فترك إصلاحها وبناها لأجل أن الرياح والسمائم قد تحل منها ما لا يدركه بحواسه الظاهرة لكان جاهلا بالحقيقة . وكذلك القول في اصلاح الأبدان على هذه الصفة لتعود إلى حد الاعتدال . وضروب الاعتدال على ما تقدم ذكره ثلاثة : فأحدها ما يعلم مجملا بالوصف ولا سبيل إلى الوقوف عليه بحسب ما بينّاه . والآخر هو ليساوي الأخلاط في الحس والعناصر حتى لا يميل ذلك الشيء في الحس إلى أحد العناصر التي في أصل تركيبه . والاعتدال الّاخر هو أن يكون الشيء على بنية تصلح لأفعال معلومة وتكون بنيته تلك ومزاجه وسطا بين ما هو فوقه ودونه من أجناسه . وهاهنا قسم آخر من الاعتدال وهو ما توسط بين الأجناس التي هي خارجة من جنسه . فمن سأل عن الاعتدال فالأحسن أن توضع له لفظ الاعتدال مقيدا بما ذكرناه . وقد تبين لك من جلد بعض الناس أنه متوسط بين الأطراف أعني الحرارة والبرودة واليبس والرطوبة وبخاصة جلد باطن الكف لأنها جعلت لتستبين الأجسام المحسوسة لأذهن الحيوان كله أعني الإنسان فهي متوسطة بين الحر والبرد واليبس